حالة عدم اليقين تلوح في الأفق حول مستقبل إدلب بعد أن احكمت "هيئة تحرير الشام" سيطرتها على آخر معاقل المتمردين. أبرمت الهيئةاتفاقا ينص على وقف لإطلاق النار مع جبهة التحرير الوطني المدعومة من تركيا في 10 يناير 2019، منهيا فترة من الاضطرابات التي شكلتها المواجهات العسكرية التي أودت بحياة أكثر من 130 مقاتل. تخلت جبهة التحرير عن مناطقها الإدارية إلى "حكومة الانقاذ" المشكلة باسمحركة تحرير الشام، وهربت إلى المناطق التي تسيطر عليها تركيا في الشمال. أدى هذا إلى كسر شبه تحالفهيئة تحرير الشام وجبهة التحرير الوطني الذي تم تأسيسه في نوفمبر 2017 للتحكم فيما يشار إليه باسم "المناطق المحررة" وتقوية حكومة الانقاذ التي تعمل كمسؤول فعلي عن إدارة شؤون إدلب.

تمتد سيطرة هيئة تحرير الشام الإقليمية إلى غرب ريف حلب وتحكم أكثر من 2.5 مليون نسمة، أي ما يعادل 1.5 مرة أكثر من سكان دمشق. بوجود حوالي 15،000 مقاتل في ترسانتها، تعد هيئة تحرير الشام أحد العناصر المحورية في أي من سيناريوهات إدلب المستقبلية. ومع ذلك، هناك مكونان رئيسيان يجب أخذهما بعين الاعتبار. أولاً، هيئة تحرير الشام هو ائتلاف يضم عدة جماعات مسلحة مع جبهة النصرة، التي كانت معروفة سابقاً بعلاقاتها مع القاعدة، بتمثيل نواة الائتلاف. تم تصنيف جبهة النصرة كمنظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة وروسيا وتركيا والأمم المتحدة. على الرغم من أنالهيئةليس لها اي ارتباطات مع القاعدة، يعتقد العديد من المراقبين أنهيئة تحرير الشاملا تزال لها علاقات مع القاعدة وتعتبر التحالف بمثابة تغيير في الاسم وليس تغييراً في النزعة السياسية.

ثانياً، انتهكت تقوية هيئة تحرير الشام مذكرة التفاهم الروسية التركية التي تم توقيعها في سوتشي في سبتمبر 2018. وقد حددت مذكرة التفاهم لسوتشي خريطة طريق يتم فيها "إزالة جميع الجماعات الإرهابية المتطرفة من المنطقة منزوعة السلاح بحلول 15 أكتوبر" بغرض منع الحل العسكري السوري. هذا يطرح السؤال حول طبيعة رد موسكو بشكل خاص بعد أن أعرب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن مخاوفه بالقول "إن 70٪ من هذه الأراضي محتلة بالفعل من قبل الإرهابيين (..) كما إنهم يحاولون تهديد قاعدتنا الجوية العسكرية في حميميم".

يمكن القول بأن الوضع الراهن لإدلب هو أكثر تعقيدًا مما كان عليه قبل قمة سوتشي. إن طرد الثوار المدعومين من تركيا يعيق مصالح تركيا في المنطقة. ومع خروج حلفائها الرئيسيين من الصورة، تشعر أنقرة بالقلق من أن يؤدي التوغل العسكري الذي شنته الحكومة السورية إلى تدفق أعداد جديدة من اللاجئين، خاصة بعد أن حذرت الأمم المتحدة من أن 800000 شخص معرضون لخطر التشريد. علاوة على ذلك، فإن التصعيد في إدلب قد يتسبب في انسحاب مقاتليهيئة تحرير الشامشمالًا، مما يتسبب في تهديد أمني صريح على حدود تركيا.

ومع ذلك، فإن استمرار الوضع الراهن من شأنه أن يخلق مأزقًا لسوريا وحلفائها. وكما أوضح لافروف: "ان هذه إحدى المشاكل الحادة، لأنه من المستحيل بشكل غير محدود الحفاظ على آخر مرتع للإرهاب في سوريا". ومن ثم، فإن إيجاد حل لمعالجة الوضع يعتبر أمر حتمي لسوريا وروسيا. وقد اتخذت دمشق بالفعل بعض الإجراءات "الانتقامية" في جنوب إدلب بعد ما بدا بأن هنالك محاولة من هيئة تحرير الشامللتسلل إلى حماه حسب ما أوردته وكالة الأنباء السورية (سانا). وتفيد التقارير أن الحكومة السورية تقوم بنشر مزيد من القوات في الشمال، مما يزيد من وجودها العسكري في المنطقة.

الأحداث تتقلب بوتيرة سريعة في سوريا. تماشيا مع التطورات الجارية في إدلب وقرار الولايات المتحدة بالانسحاب من سوريا، تستعد مجموعة أستانا لعقد قمة ثلاثية في روسيا لمعالجة هذه التغييرات. تتشابك مصالح الدول المشاركة بشكل طبيعي بعد أكثر من 7 سنوات من الاضطراب. ومع ذلك، فإن سوريا على مفترق طرق والحاجة إلى حوار شامل يعتبر أمر لا مفر منه.